HmSaT_aLqAlOoB
24 / 01 / 2009, 50 : 08 AM
" الركض في الضباب "
قصة قصيرة
ارتمت عيناه فوق زرقة البحر الصافية ، فمنذ زمن بعيد لم ير ارتعاشتها الرشيقة ، لم يصغ لأمواجها المتهافتة ، لم يقف خارج دائرة وجوده .
نبض الأعوام يتدفق كالسيل جارفا الذكريات والأمنيات ، خطوه لاهث ، أنفاسه متلاحقة ، الدعة قلق ، والسكينة فناء ، والصمت انقطاع عن العالم ، والقلب في عناء ، أيما عناء ، ذاب في أتون العمل المتواصل وانصهر ، وها هو يجلس أمام البحر متبتلا ليبصر الأفق وقد التصق بسطح مياهه في غموض وانزواء ، والخريف تتساقط أوراقه فتعانق أديم الأرض في هوان وانكسار .
بينما يضرب النسيم جذوره الراسخة فتنفض عن أطرافها وسن النسيان وتتذكر ، للرتابة ظل في كل ركن ، في كل غرفة ، في كل وجه ، يعود الى بيته ، لم تعد بعد من عملها .. في زمن مضى من أعوامهما الأولى كان ينتظر ، ينتظر عودتها ..
- اشتقت إليكِ
- أنا أكثر
- ماذا أعددت على الغذاء؟
- تعال لترى بنفسك
في كثير من الأحيان نضن على أنفسنا بالسعادة ونرشف كؤوس الهموم في غبطة.
دلف إلى المطبخ ، تناول غداءه البارد في صمت
سرعان ما تفقد الأشياء حرارتها ونسأم معانيها .. ضقت بالغضب ، خصام يتبعه صلح وصلح يليه خصام ، مللت مرور الأيام بين راحتيك في صرامة وحزم ، وكأن الحب لم يعد جديرا بحياتنا ، لم يعد يليق بسنوات عمرنا !
تسارع يده إلى وجنتيها لتمسح عنهما الغضب، ولكن الدلال يتفحم فيملأ أزمنة الحب ويزحم أروقة القلب ، ولم يبق متسع وجمالك تتراكم فوقه طبقات من إهمال وانشغال وحنق وغضب وثوم وبصل وجد وعمل ، والليل موحش مقفر والعالم تائه فيه الحسن يا زوجتي فيجذبني في عنف ويشدني في حدة فلا أتراجع ولا أملك قوة الرفض .
ومعالم الأشباح تتراءى لي حسنا ثريا والرغبات تستوي ألما حيا ، وكبرياؤك فارغ أجوف والإحساس بك مسلوب معدوم ، والعالم تائه فيه الحسن يا زوجتي .
مولع بأمس ذكراه قريبة يود لو .. يستبقيه ، ويعجب لشعوره أن تغيرا ما يحدث ! ما الذي تغير ؟ شعيرات بيضاء ؟ ينظر في المرآة مرة بعد أخرى ، يسابق قلبه أياما مهرولة ويحن الى لحظات مقطرة بندى الحب .. إلى غناء قديم .
غادر البيت عائدا إلي عمله ، شيء ثقيل يجثم فوق الصدر فيختنق الشهيق وتشتاق العين ، ويهفو الإحساس ويطير الخيال محلقا متجاهلا ، وأنساك يا زوجتي ، فغضبك بغيض ونفورك كريه ، لم تعد يدي تقترب من وجنتيك لتمسح عنهما الغضب ، ويأنس الى حلاوة المرح .
العاشرة مساء ، البيت مظلم ، لا صوت ، ضوء خافت يطل من غرفة ريم ودانا ، وضع أكياس الخبز فوق المنضدة متجها صوب غرفتهما محاذرا أن يحدث صوتا ، تغطان في سبات ناعم ، وزوجته بجانبهما نائمة ، استدار وغضب يستبد به .. نبض الفؤاد يتضاءل ويصيبه أرق مهمل .. دائما.. لا أحد ؟
ضغط على زر التلفاز نافخا ، العالم تائه فيه الحسن يا زوجتي ، والألم لا تحصره جدران الجسد ، سحب تتجمع ورياح تقبل وأمطار لا تسقط ، ترك المكان خاليا ، والتلفاز دائرا ، وانطلق الى الطريق ، برودة الهواء تخفف جفاف الحلق وحرارة القلب لا تبرد ، لن أدور في دوامات صفحك ورضاك ، لن أسعى لدلالك ارتجيه .
في فراغ الصخب أحتسي قطرات سعادة بها لا تشعرين ، في حمأة المجهول أمضي ولا تنظرين فأبقي حيث أنت معهما وأنا عندك لا وجود لي ، كأنما حملتك فوق جناحي إلى مكان تعشقينه ثم أبديت شكرا وحبا ووليت عني إلى صغيرتين أحبهما ، ولاهية بهما ، وكلما رأيتني تحجبينني عن عينيك .. وماذا تنتظرين ؟ أن أقدم فروض الصدق والولاء وما زلت في سذاجة دلالك ترفلين ؟!! هيهات فالعالم تائه فيه الحسن عزيزتي!
استيقظ مثقل الرأس ، ورنين المنبه يدوي ، لا أحد ، خرجن جميعا هي إلى عملها ، وابنتاه إلى مدرستهما ، للقلب أهواء تستعبده ما ذلك العناء يا قلبي ؟ ما ذلك العناء ؟
لو يتغير اللون ، ويحمل أريج كل لحظة مذاقا مختلفا ، لو ألتفت فأراني فوق عرش ذهبي وأركلك بعيدا، أنبذك في قسوة ، لو تتغير الأشياء !
يتجه صوب المنضدة ليتناول إفطاره الذي أعدته زوجته، والغضب في عمق النفس خمار ملتهب ، والكيان نزوع قائم .. وإذا بوريقة بجانب فنجان الشاي ، رأى مثلها من قبل ، تحترق رغبة وتبرد أمنيات حارقة ، ويقرؤها في تمعن :
شكرا يا بابا على الخبز
ربنا يخليك لنا
ريم ، دانا
فيمضي إلى عمله مترعا بالحب !!
قصة قصيرة
ارتمت عيناه فوق زرقة البحر الصافية ، فمنذ زمن بعيد لم ير ارتعاشتها الرشيقة ، لم يصغ لأمواجها المتهافتة ، لم يقف خارج دائرة وجوده .
نبض الأعوام يتدفق كالسيل جارفا الذكريات والأمنيات ، خطوه لاهث ، أنفاسه متلاحقة ، الدعة قلق ، والسكينة فناء ، والصمت انقطاع عن العالم ، والقلب في عناء ، أيما عناء ، ذاب في أتون العمل المتواصل وانصهر ، وها هو يجلس أمام البحر متبتلا ليبصر الأفق وقد التصق بسطح مياهه في غموض وانزواء ، والخريف تتساقط أوراقه فتعانق أديم الأرض في هوان وانكسار .
بينما يضرب النسيم جذوره الراسخة فتنفض عن أطرافها وسن النسيان وتتذكر ، للرتابة ظل في كل ركن ، في كل غرفة ، في كل وجه ، يعود الى بيته ، لم تعد بعد من عملها .. في زمن مضى من أعوامهما الأولى كان ينتظر ، ينتظر عودتها ..
- اشتقت إليكِ
- أنا أكثر
- ماذا أعددت على الغذاء؟
- تعال لترى بنفسك
في كثير من الأحيان نضن على أنفسنا بالسعادة ونرشف كؤوس الهموم في غبطة.
دلف إلى المطبخ ، تناول غداءه البارد في صمت
سرعان ما تفقد الأشياء حرارتها ونسأم معانيها .. ضقت بالغضب ، خصام يتبعه صلح وصلح يليه خصام ، مللت مرور الأيام بين راحتيك في صرامة وحزم ، وكأن الحب لم يعد جديرا بحياتنا ، لم يعد يليق بسنوات عمرنا !
تسارع يده إلى وجنتيها لتمسح عنهما الغضب، ولكن الدلال يتفحم فيملأ أزمنة الحب ويزحم أروقة القلب ، ولم يبق متسع وجمالك تتراكم فوقه طبقات من إهمال وانشغال وحنق وغضب وثوم وبصل وجد وعمل ، والليل موحش مقفر والعالم تائه فيه الحسن يا زوجتي فيجذبني في عنف ويشدني في حدة فلا أتراجع ولا أملك قوة الرفض .
ومعالم الأشباح تتراءى لي حسنا ثريا والرغبات تستوي ألما حيا ، وكبرياؤك فارغ أجوف والإحساس بك مسلوب معدوم ، والعالم تائه فيه الحسن يا زوجتي .
مولع بأمس ذكراه قريبة يود لو .. يستبقيه ، ويعجب لشعوره أن تغيرا ما يحدث ! ما الذي تغير ؟ شعيرات بيضاء ؟ ينظر في المرآة مرة بعد أخرى ، يسابق قلبه أياما مهرولة ويحن الى لحظات مقطرة بندى الحب .. إلى غناء قديم .
غادر البيت عائدا إلي عمله ، شيء ثقيل يجثم فوق الصدر فيختنق الشهيق وتشتاق العين ، ويهفو الإحساس ويطير الخيال محلقا متجاهلا ، وأنساك يا زوجتي ، فغضبك بغيض ونفورك كريه ، لم تعد يدي تقترب من وجنتيك لتمسح عنهما الغضب ، ويأنس الى حلاوة المرح .
العاشرة مساء ، البيت مظلم ، لا صوت ، ضوء خافت يطل من غرفة ريم ودانا ، وضع أكياس الخبز فوق المنضدة متجها صوب غرفتهما محاذرا أن يحدث صوتا ، تغطان في سبات ناعم ، وزوجته بجانبهما نائمة ، استدار وغضب يستبد به .. نبض الفؤاد يتضاءل ويصيبه أرق مهمل .. دائما.. لا أحد ؟
ضغط على زر التلفاز نافخا ، العالم تائه فيه الحسن يا زوجتي ، والألم لا تحصره جدران الجسد ، سحب تتجمع ورياح تقبل وأمطار لا تسقط ، ترك المكان خاليا ، والتلفاز دائرا ، وانطلق الى الطريق ، برودة الهواء تخفف جفاف الحلق وحرارة القلب لا تبرد ، لن أدور في دوامات صفحك ورضاك ، لن أسعى لدلالك ارتجيه .
في فراغ الصخب أحتسي قطرات سعادة بها لا تشعرين ، في حمأة المجهول أمضي ولا تنظرين فأبقي حيث أنت معهما وأنا عندك لا وجود لي ، كأنما حملتك فوق جناحي إلى مكان تعشقينه ثم أبديت شكرا وحبا ووليت عني إلى صغيرتين أحبهما ، ولاهية بهما ، وكلما رأيتني تحجبينني عن عينيك .. وماذا تنتظرين ؟ أن أقدم فروض الصدق والولاء وما زلت في سذاجة دلالك ترفلين ؟!! هيهات فالعالم تائه فيه الحسن عزيزتي!
استيقظ مثقل الرأس ، ورنين المنبه يدوي ، لا أحد ، خرجن جميعا هي إلى عملها ، وابنتاه إلى مدرستهما ، للقلب أهواء تستعبده ما ذلك العناء يا قلبي ؟ ما ذلك العناء ؟
لو يتغير اللون ، ويحمل أريج كل لحظة مذاقا مختلفا ، لو ألتفت فأراني فوق عرش ذهبي وأركلك بعيدا، أنبذك في قسوة ، لو تتغير الأشياء !
يتجه صوب المنضدة ليتناول إفطاره الذي أعدته زوجته، والغضب في عمق النفس خمار ملتهب ، والكيان نزوع قائم .. وإذا بوريقة بجانب فنجان الشاي ، رأى مثلها من قبل ، تحترق رغبة وتبرد أمنيات حارقة ، ويقرؤها في تمعن :
شكرا يا بابا على الخبز
ربنا يخليك لنا
ريم ، دانا
فيمضي إلى عمله مترعا بالحب !!